مقالات

لماذا لا ينتصر أهل الحقّ أحيانًا؟ وهل يكفي أن نكون مع الحق حتى نفوز؟

"نحن مع الحقّ، فلا نبالي"، "ما دمنا مع الحقّ فالنصر حليفنا حتمًا".. لا شك بأنّكم سمعتم مثل هذه الشعارات، وأنتم تؤمنون بأنّ الحقّ لا بد أن ينتصر على الباطل مهما طال الزمن. وحين تشاهدون فيلمًا سينمائيًّا أو تقرأون قصةً ما، ولا يُكتب النصر فيها للحقّ على الباطل في الختام، فإنّكم ستحدّثون أنفسكم قائلين: "لا بدّ أنّ لهذه القصة من تتمّة".

“نحن مع الحقّ، فلا نبالي”، “ما دمنا مع الحقّ فالنصر حليفنا حتمًا”.. لا شك بأنّكم سمعتم مثل هذه الشعارات، وأنتم تؤمنون بأنّ الحقّ لا بد أن ينتصر على الباطل مهما طال الزمن. وحين تشاهدون فيلمًا سينمائيًّا أو تقرأون قصةً ما، ولا يُكتب النصر فيها للحقّ على الباطل في الختام، فإنّكم ستحدّثون أنفسكم قائلين: “لا بدّ أنّ لهذه القصة من تتمّة”.

إنّها الفطرة السليمة التي تدرك علوّ الحقّ على الباطل، وهي التي لا يمكن أن تتقبّل انتصار الباطل على الحقّ مهما كان.. ولكن يبدو أنّه علينا إعادة النظر في هذه القضية؛ ليس لأنّنا نشاهد العديد من الحالات والأوضاع التي ينتصر فيها الباطل على الحقّ؛ فكثيرًا ما تكون مشاهداتنا ناقصة وأحكامنا غير دقيقة، وربما أخطأنا في تشخيص أهل الحقّ ولم نعرف أنّهم أيضًا كانوا ظالمين!

الأمر لا يتعلّق بالمشاهدة والتجربة، رُغم أهميتهما؛ لأنّ المشاهدة والمعاينة لأي قضية تحتاج إلى إحاطة تامّة بأبعادها وخباياها. فماذا لو كان أهل الحقّ هنا يضمرون في أنفسهم شرًّا مستطيرًا فيما لو انتصروا على الباطل؟ فهل يستحقّون هذا النصر حينئذٍ؟ وماذا عن رحمة الله بهؤلاء وعدم تمكينهم، لكيلا يغترّوا ويستعلوا، كما استعلى الذين من قبلهم؟!

لهذا، فإنّ قانون وسنّة “انتصار الحقّ على الباطل”، وإن كانت صحيحةً تمامًا، لكنّها سنّة إلهيّة تمتزج وتتفاعل مع عددٍ من السنن الأخرى حتّى تعطي النتيجة النهائية. وإحدى أهم سنن الفوز والنصر هي ما يتعلّق باتّحاد أهل الحقّ وعدم تفرّقهم واختلافهم فيما بينهم. فقد ينصر الله تعالى أهل الباطل إذا كانوا متّحدين، على أهل الحقّ إذا كانوا متفرّقين؛ وذلك لأنّ النصر إن لم يكن لإعزاز جبهة الحقّ وتمكينها من القيام بالحقّ الذي سُلب منها، فما الفائدة حينئذٍ من انتصارها؟

ولا شك بأنّ التفرّق والاختلاف والتشتّت في الكلمة والرأي منشأ الكثير من المصائب والجرائم. فسُرعان ما يتحوّل مثل هؤلاء، إن انتصروا، إلى وبال على الحقّ نفسه. وقد يؤخّر الله تعالى النصر لمن هم مع الحقّ من جيلٍ إلى جيل، طالما لم يجتمعوا ويتّحدوا ويعرفوا أهمية وحدة الكلمة، التي هي الأرضية الأولى لكلّ خير يمكن أن ينزل من السماء.

ما الذي حدث حتى صارت قضية الوحدة في المرتبة الثانية أو الثالثة من الأولويات عند الكثير من المسلمين؟ ولماذا نجد زعماء ومسؤولين يصرّون على أمور وقضايا رغم أنّها تؤدّي إلى التفرّق والانشعاب والتنازع؟ فإذا لم يكن الأمر نابعًا من أغراض سيّئة وعمالة خفية للعدوّ (حيث لا ينبغي أن نتغافل عن وجود هذا العامل)، فيبدو أنّ هناك مبانٍ فكرية قد تراكمت بصورة خاطئة في أذهان هؤلاء وثقافتهم؛ وبسببها لم يعودوا قادرين على استيعاب مدى أهمية الوحدة ودورها المصيريّ في الانتصار.

ومن جملة هذه المباني ما نشأ من قراءة التاريخ قراءة خاطئة، وخصوصًا تاريخ الأئمّة الأطهار عليهم السلام؛ حيث يعتقد بعض أهل العلم أنّ أهل البيت قد تنازلوا عن النصر والحكم والسلطة من أجل إبقاء كلمة الحقّ والعقيدة والحفاظ عليها. وأنّ الأولوية كانت عند الأئمّة المعصومين أن ينشروا العقيدة والحقيقة بأيّ ثمنٍ كان، ولا يهم بعدها لو تفرّق المسلمون وتشعّبوا وضاعوا وتاهوا!!

وقد تشكّل مثل هذا الرأي وتغلغل في مجامعنا العلمية وأصبح سمة بارزة لتيّار يرى في الوحدة الإسلامية ـ مثلًا ـ خطرًا على المبادئ أو تنازلًا عن الحقّ والحقائق، ولهذا لن يبالي هؤلاء بما يمكن أن يحدث في أرض الواقع، طالما أنّهم يقولون الحقيقة ويدافعون عنها! وفي بعض الحالات قد تختفي قضيّة حبّ الجاه والزعامة والأنا وراء هذه الدعوى بصورة عجيبة، وخصوصًا إذا كان الطرف المقابل شخصًا أو حزبًا لهم على سلوكه وأدائه الكثير من الانتقادات والملاحظات.

فما الذي يمنع الإنسان من فهم أبسط القوانين الاجتماعية على الإطلاق؛ فيغفل أو لا يرى أنّ اختلافه مع الكتلة الفلانية سوف يطيح بهما معًا، أو يجلب الكثير من المخاطر والصعوبات للجميع، كلّ ذلك تحت عنوان أنّ أعضاء هذه الكتلة فاسدون أو يرتكبون الأخطاء أو لا يحسنون إدارة موارد البلاد!

فحين سُئل أمير المؤمنين عن العاقل، قال عليه السلام إنّه ليس ذاك الذي يميّز بين الخير والشر، بل هو الذي يميّز أهون الشرّين؛ ما يعني أنّ أفكارنا ونظرتنا للتاريخ قد تكون عاملًا أساسيًّا في تكوين قدراتنا العقلية. فحين نخطئ في قراءة التاريخ، ستتكوّن في أذهاننا تلك الأفكار، التي تمنع العقل من النموّ السليم في نفوسنا؛ وهذه هي آفة الكثير من المسلمين الذين يصرّون على قراءة واحدة للتاريخ، مهما كلّف الأمر. فقد بدا لهم أنّ إعادة النظر في هذا التاريخ ستكون مكلفة جدًّا.

أجل إنّ الإنسان ليهرب من الاعتراف ببطلانه إلى الدرجة التي يكون فيها مستعدًّا لأن ينسج الكثير من الأفكار الخاطئة حول نفسه؛ رغم أنّ الخطأ والباطل هما دومًا أهم وأكبر عوامل التسبّب بالضرر لمن لا يجتنبهما.. فلا يمكن أن تكون الحقيقة يومًا سببًا للخسران وعاملًا للإضرار لمن تمسّك بها.

إنّ وحدة الكلمة هي العامل الأوّل للقوّة التي بواسطتها يمكن نشر الحقيقة والدفاع عنها. ولو سنحت الفرصة لأهل البيت (عليهم السلام) أن ينتصروا ويحكموا، لكان ذلك أفضل وسيلة عندهم لنشر الحقائق وبيانها. فلا ينبغي أن نضع وحدة الكلمة مقابل الحقيقة، لأنّهما من سنخين مختلفين. فالوحدة هي القدرة والوسيلة، والحقيقة هي الغاية والمقصود. وكلّما اتّحد أهل الحق ازدادت فرصتهم للوصول إلى حقّهم.

ولأنّ الحق درجات، فقد يكون بعض أفراد جبهة الحقّ أكثر حقًّا من البعض الآخر. فلا يعني ذلك أنّ الأقل حظًّا هو من أهل الباطل، وهذا أمرٌ طبيعيّ في كلّ جبهة. فلا ينبغي أن نتوقّع أن يكون جميع أفراد جبهة الحقّ من المعصومين حتى يصح عدّهم من أهل الحقّ. فقد يكونوا من العصاة أو الفاسدين أو الخطّائين، لكنّهم وقعوا في مظلومية تاريخية؛ وأهل الباطل يريدون استخدامهم لأجل تحقيق مآربهم، حتى إذا انتهوا منهم تخلّصوا منهم وقضوا عليهم.

إنّ أهل الباطل لينظرون إلى هؤلاء كأعداء حقيقيّين، وإن مدحوهم أو أثنوا عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ فيهم اعتقادًا بالحقّ، أو فيهم فرصة الرجوع إليه، أو فيهم إمكانية إنجاب من يكون كذلك. ومن المستحيل أن يتعامل الغربيّ المستكبر ـ الذي يرى قوميّته وعرقه وثقافته أعلى وأشرف ـ مع العربيّ أو المسلم كحليف حقيقيّ، فيعطيه حقّه ويعترف له بإنسانيته ومساواته.
إنّ وحدة الكلمة قد تصل إلى درجة من الأهمية والتأثير بحيث يمكن أن تُطرح على جبهة الباطل! فالتوافق والهدنة والتبادل السلميّ قد يكون أفضل فرصة لإيصال العقيدة وبيان الحقّ وإحداث اختراق ونفوذ للسدّ المنيع الذي بناه زعماء الباطل بين الحقّ والشعوب. وبالتأكيد لا يقدر على هذه الوحدة إلا من كان ثابت القدم في العقيدة والفكر.

فإذا كان الأمر كذلك، أليس من الأولى أن يتّحد المظلومون (وإن كان بعضهم ظالمين بنحوٍ ما)، لأجل القضاء على الظلم الأكبر وإسقاط رأس الطغيان والعدوان وتحطيم القلاع الحصينة للكراهية والاستكبار والحقد؟

إنّ انتصار أهل الحق يستلزم أن يكونوا أهلًا للنصر، ولا يمكن أن يكون من لا يبالي بوحدة الكلمة مؤهّلًا. فالوحدة بين الناس هي أفضل تعبير عن إدراكنا لمعنى الحقيقة ودورها في انتشال البشر من مآسيهم وشقائهم. لقد أنزل الله الحق ليكون وسيلة نجاة ونورًا من جميع أنواع الظلمات؛ سواء كانت ظلمة الخطايا والآثام أو ظلمة النفس الأمّارة والأهواء أو ظلمة الباطل والضلالة. فالحقيقة يُفترض أن تخلّصنا من الاختلاف والنزاع وسفك الدماء والاعتداء والظلم بكلّ أشكاله ومراتبه.

وقد قال أمير المؤمنين ومولى المتّقين عليه السلام:
“وَإِنِّي وَاللهِ لأظُنُّ هؤُلاءِ القَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِماعِهمْ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَبِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ في الحَقِّ، وَطَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ في البَاطِلِ”. [نهج البلاغة] “فَيَا عَجَبًا! عَجَبًاـ وَاللهِ ـ يُمِيتُ القَلْبَ وَيَجْلِبُ الهَمَّ مِن اجْتَِماعِ هؤُلاَءِ القَوْمِ عَلَى بَاطِلِهمْ، وَتَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ!” [نهج البلاغة]

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق