معرفة أهل البيت

الوعي الكوني والفلكي عند الإمام السجاد(ع) 3

علم الأئمة ليس علما عاديا كما هو عند العلماء والباحثين والمفكرين، وإنما هو علم موروث عن آبائهم الكرام ومن النبي الأعظم (سلام الله عليهم أجمعين)، ومن الفهم الصحيح لآيات القرآن المجيد. كل الأئمة ومنهم إمامنا علي بن الحسين السجاد علی هم الشارحون والمفسرون والموضحون الحقيقيون للقرآن المجيد والسنة النبوية الشريفة.

على هذا الأساس، فالذي قاله الإمام علي بن الحسين السجاد حول الكون والسماء والفلك، وما قاله حول العلوم والمعارف الأخرى هو مادة علمية قيمة وصحيحة وصادقة لا تشوبها شائبة، شرط أن نفهمها فهما صحيحا وذكيا، وعلى وفق القواعد والأصول الصحيحة المتبعة في فهم النص.

وفي هذا الجزء من البحث سنتناول ما ورد من مادة كونية وفلكية في الأدعية الإلهية الكريمة التي تضمنتها الصحيفة السجادية جامعين بينها وبين ما يناسبها من علم الفلك الحديث مع التحليل والمقارنة اللازمین، وحسب ما يتطلبه سیاق البحث، ليدرك القارئ أن جزءا من علم الإمام السجاد الشة الوارد في الصحيفة السجادية يتعلق بالكون والسماء والفلك وعلى أكمل وجه، وسيكون بحثنا وفق التسلسل التالي:

4- الكرة الأرضية

أ- الأرض في الفلك الحديث

السماء والأرض وما بينهما و كل شيء نعرفه وما لا نعرفه من مادة وطاقة وزمان ومكان وفضاء، ما عدا الله سبحانه وتعالی خالق الكون، هي كل الكون.

فإذن الأرض أو الكرة الأرضية هي جزء من الكون، جزء صغير جدا قياسة بالكون الهائل وبمفردات الكون الكبيرة.

تقع الأرض أو الكرة الأرضية ضمن المنظومة الشمسية، وتقع المنظومة الشمسية ضمن المجرة، مجرة درب التبانة Milky Way وضمن الكون في المحصلة النهائية.

والأرض يمكن دراستها من جوانب متعددة، من جوانب اقتصادية وجغرافية وجيولوجية وفلكية و أخرى غيرها.

ولما كانت دراستنا هي الكون والسماء فلابد من أن ندرس الأرض ضمن الكون والسماء، من جانبها الفلكي استنادا إلى أنها جرم سماوي كوني له مواصفات فلكية معينة. فهي كرة سماوية تتعرض للظلام والضياء فتكون مظلمة في ليلها ومضيئة في نهارها، ولها حركات فلكية ومواقع سماوية ومواصفات فلكية وعلمية أخرى.

وعلى هذا الأساس فالأرض أو الكرة الأرضية واحدة من تسعة أعضاء تدور حول الشمس ويعرف هذا النظام ب (النظام الشمسي). وإذا أردنا أن نقرأها کوکب سيارة ضمن السيارات التسع فهي جرم ذو خصائص فريدة لا توجد في غيرها، ومن أهمها وجود الماء والهواء الضروريين لإمكان الحياة على سطحها.

والأرض كرة زرقاء ساطعة جميلة المنظر للناظر إليها من الفضاء، تعكس نحو ثلث ضوء الشمس الساقط عليها، وتبدو کتل اليابسة البنية بوضوح، وكذلك المحيطات الزرقاء التي تغطي نحو ۷۰٪ من سطح الأرض، كما يمكن مشاهدة سحب كثيرة في الجو.

والكرة الأرضية ثالث الكواكب السيارة بعدة عن الشمس، وأكبر الكواكب الصخرية، يبلغ قطرها نحو ۱۲،۷۵۹ کیلومتر، ومتوسط بعدها عن الشمس نحو ۱۶۹،۶۰۰،۰۰۰ کیلومتر، وسرعتها المدارية حول الشمس نحو ۲۹،۷۹ کیلومتر) في الثانية، وزمن دورتها حول أمها الشمس يبلغ ۳۶۵،۲۹ يوم – أي سنتها – أما دورتها حول محورها – أي يومها – فيبلغ ۲۳ ساعة و 56 دقيقة، ومن شروق الشمس إلى الشروق التالي ۲4 ساعة.

يحيط بالكرة الأرضية غلاف غازي فريد يسمح بوجود الحياة على سطحها، ويتكون أساسا من ۷۷٪ من النتروجين و ۲۱٪ من الأوكسجين بالإضافة إلى غازات أخرى وبخار الماء والغبار.

وهو – أي الغلاف الغازي – جو رقیق بالمقارنة مع جو الزهرة الكثيف جدا وهو رقيق بحيث يخترقه ضوء الشمس، لكنه في الوقت نفسه سميك بما فيه الكفاية ليحجب إشعاعات الشمس الأخرى المؤذية، فمعظم الأشعة الفوق البنفسجية الخطيرة على حياة البشر ترشح عبره، ويبطئ جو الأرض سرعة الأحجار النيزكية الصخرية الصغيرة ويبخرها..

والكرة الأرضية هي جزء من الكون – كما ذكرنا – ومادتها من مادة السماء والكون والأجرام السماوية الأخرى. فهي مكونة من العناصر المائة والتسعة المعروفة الموجودة في الأرض والكون وإن اختلفت النسب بين الأجرام المتنوعة، فمثلا يكثر الهيدروجين في الشمس والنجوم السماوية الكثيرة، ويقل في الكرة الأرضية.

وتقع هي وأخواتها – الكواكب السيارة – وأمهم الشمس في إحدى أذرع مجرتنا درب التبانة . في ذراع الجبار – وتدور مع أخواتها وأمها حول مركز المجرة، والتي هي كذلك تجري في السماء متباعدة عن أخواتها المجرات الأخرى، ويمكن معرفة موقعنا من خلال المجرات الكونية الأخرى.

ونحن في الحقيقة لا تعرف أين نقع في هذا الكون الشاسع !

وللأرض مواصفات و حالات أخرى، منها خضوعها – كما ذكرنا ۔ لحالات الليل والنهار ولحركات متعددة ومواقع مختلفة، ولعل من أشهر ما يطرأ عليها من حالات حالتي الليل والنهار، وعادة ما تذكر حالتا الليل والنهار مع ذكر الأرض أو الكرة الأرضية، فهما منها وإليها كانا منذ صارت الأرض أرضا.

والليل هو أحد جزأين أساسيين لليوم day. وهو الجزء (المظلم)، أما الجزء الأساسي الآخر فهو النهار (المضيء).

ويحصل الليل والنهار (اليوم) نتيجة دوران الكرة الأرضية حول محورها ويتسبب ميل هذا المحور على مدار الكرة الأرضية حول الشمس في اختلاف الليل والنهار من وقت لوقت ومن مكان لمكان، وفي حدوث فصول السنة، ويبلغ الاختلاف بين النهار والليل أعلى درجاته في القطبين الأرضيين الشمالي والجنوبي ويقل الاختلاف في منطقة خط الاستواء.

عرف الفيروز آبادي الليل بقوله: «الليل من مغرب الشمس إلى طلوع الفجر الصادق أو الشمس».

وعرف النهار بقوله: «النهار ضياء ما بين الفجر إلى غروب الشمس، أو من طلوع الشمس إلى غروبها أو انتشار ضوء البصر وافتراقه».

ومن هذه الكرة السماوية التي تعرف بالأرض، وليلها ونهارها وحركاتها ومواصفاتها وحالاتها الأخرى قديمها وحديثها تتكون الأرض التي نعيش عليها والواقعة ضمن هذا الكون الكبير .

ب – الأرض عند الإمام السجاد عليه السلام

الأرض عند الإمام السجاد عالية هي تلك الأرض العلمية التي وردت في القرآن الكريم في عدد من آياته الكريمة، وإذا وردت في القرآن بعدد كبير من المواصفات والحالات والمعاني لشمولية القرآن وكونه تبيان لكل شيء قال تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيان لكل شيء…) ،(… ومافرطنا في الكتاب من شيء”…)، فإن الإمام السجاد عليه السلام – وهو ابن القرآن الذي رضع من ثدييه ذكر كثير من معاني القرآن وأفكاره وتعاليمه في كلماته وأحاديثه.

لقد وردت كلمة (الأرض) في القرآن الكريم 461 مرة، وهي بهذا الرقم تفوق المواد الفلكية الأخرى، تفوق كلمة السماء الواردة ۳۱۰ مرات والشمس الواردة ۳۳ مرة و كلمة القمر الواردة ۲۷ مرة والنجم والنجوم الواردة ۱۳ مرة و كلمات فلكية أخرى غيرها. لكنها لم تكن في هذا الرقم الكبير مادة فلكية فقط، وإنما وردت إضافة إلى كونها مادة فلكية وردت مادة ضمن علوم أخرى.

وحين تحدث القرآن الكريم عن الأرض كمادة فلكية، تحدث عنها على أدق ما يقول علم الفلك في هذا الجرم الكوني وأصح ما يكون العلم، فهي أولا وقبل كل شيء مخلوقة لله سبحانه وتعالى طائعة له خاضعة لقوته وسيطرته أبدعها من العدم قال عز وجل: «بدیع السماوات والأرض وإذا قضى أمر، فإما يقول له گن فيكون»، وقال تعالى أيضا: «خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل…. »، وهي مدورة مكورة أو كرة حقيقية، وهي جرم متحرك لها أكثر من حركة ومواصفات أخرى، وقد أشار القرآن إلى ذلك بإشارات وسياقات وقرائن متنوعة كلها تدل على حقيقة الأرض وعلميتها، ولا مجال للتفصيل في ذلك. لقد رد الإمام السجاد عالية معاني القرآن وأفكاره في مجال الأرض في أكثر من موضع من كلماته وأحاديثه وخطبه.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي أبدع الأرض على غير مثال سابق كما السماء وغيرها من مخلوقاته، قال الإمام السجاد عليه السلام: «اللهم بدیع السماوات والأرض»، وفي أكثر من موضع.

ومثل ذلك خلق الليل والنهار وهما جزءان أو حالتان لا ينفگان عن الأرض ولا ينفصلان عنها، قال الإمام عليه السلام: «الحمد لله الذي خلق الليل والنهار».

فالليل – وهو ظلام الأرض – جزء من الأرض، والنهار – وهو ضوء الأرض – جزء من الأرض أيضا، وهما يكملان هوية الأرض العامة.

فإذن الحديث عن الليل والنهار يعني الحديث عن الأرض، لأنهما من أجزاء الأرض أو ملحقاتها أو أساسياتها، ومن خلالهما أصبحت الحياة ممكنة ومعقولة بل وجميلة.

وقد تحدث الإمام السجاد عليه السلام في أحد أدعيته حديثا علميا رائعا عن الليل والنهار اللذين يتعاقبان على الأرض، حديثا يشير أو يلح من قريب أو بعيد إلى کروية الأرض، فلنقرأ ما قاله السجاد عالية: حيث قال: «الحمد لله الذي خلق الليل والنهار بقوته وميز بينهما بقدرته وجعل لكل واحد منهما حدا محدودا وأمدة ممدودة يولج كل واحد منهما في صاحبه ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد».

فالإمام السجاد عليه السلام يتحدث هنا حدیث صریحا عن مخلوقية الليل والنهار اللذين يلفان الكرة الأرضية بقوته سبحانه، ثم يتحدث عن التمييز بين هذين المخلوقين (الليل والنهار) بأن جعل الله تعالى أحدهما مظلمة والآخر مضيئا بقدرته وجعل أيضأ لكل واحد منهما ساعات محددة لا يتجاوز أحدهما على الآخر، وجعل لهما نهاية وهي قيام الساعة والقيامة.

ونلاحظ هنا الدقة العلمية في مسألة التداخل المذكور في النص السجادي «يولج كل واحد منهما في صاحبه ويولج صاحبه فيه بتقدير منه للعباد» والذي جاء على غرار عدد من الآيات القرآنية الكريمة، منها قوله تعالی: «تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل».

والذي فسره المفسر الطبرسي في أحد معانيه بقوله: «والآخر معناه يدخل أحدهما في الآخر بإتيانه بدلا منه في مکانه».

ويمكن أن يدل الإيلاج في عملية دخول الليل في النهار والنهار في الليل – على كروية الأرض. يقول الدكتور أكرم أحمد إدريس: «وهناك آية تنطق بكروية الأرض ألا وهي إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل. فالإيلاج في اللغة هو الإدخال، وفي هذه الآية إدخال الليل في النهار وإدخال النهار في الليل، وهذا الإيلاج لا يتم مطلقا إلا في جسم كروي، وبالفعل فالليل والنهار يتلاحقان بشكل يدعو للدهشة. فلا تغيب الشمس عن جزء من الأرض ويحل فيها الظلام والليل إلا وتشرق وتضيء على جزء مماثل ومساو من الأرض.. ولو كانت الأرض مسطحة كيف كانت ستتم عملية الإيلاج هذه؟ إذ لو كانت مسطحة لسطعت عليها الشمس دفعة واحدة. ثم عندما تغيب عنها دفعة واحدة، فالإيلاج هو دليل قرآني واضح على كروية الأرض».

وفي الحقيقة أن نص الإمام السجاد عليه السلام في هذا الموضوع يجمع بين العلم والأدب والبلاغة والجمال وروعة الأسلوب، وهو قمة ما يجود به جاد.

ويتحدث الإمام السجاد عليه السلام أيضا عن حالات ومواصفات كثيرة للأرض، منها: تأكيده صلابة الأرض وإحكامها من خلال الجبال الرواسي التي غرسها الباري عز وجل فيها؛ قال الإمام علي: «الجبال الرواسي على صلابتها» ، وفي مكان آخر من أدعيته ذكر الإمام السجاد من الملائكة من و كله الله تعالی بالجبال لكي لا تزول؛ قال الإمام عليه: «والموكلين بالجبال فلا تزول».

ومما ورد في أحد أدعية الإمام السجاد عليه السلام نعرف أنه قال بوجود عدد من الأرض أي ذكر كلمة (الأرضين) جمع الأرض مصداقا لقول الباري عز وجل في كتابه الكريم: «الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن»، حيث قال الإمام عليه السلام: «وملء سماواتك وما فوقهن وعدد أرضيك وما تحتهن وما بينهن».

ففي النص المذكور ذكر لأكثر من أرض، (فأرضيك) جمع أرضك، ووجود الأرضين بل والعدد الكبير من الكرات الشبيهة بالكواكب السيارة والأرض منها هو اليوم حديث العلم والعلماء وعلى مستوى التخصص الفلكي الحديث.

وهناك ذكر للأرض في أدعية الإمام السجاد عليه السلام غير ما ذكرنا، تصریحا أو تلميحا، لا مجال لذكرها هنا، لكن الذي تحدث به الإمام عليه، هو حديث علمي، وإن جاء عرضا في سياق الدعاء أو الخطاب أو الحديث.

۵- قمر الأرض

أ- القمر والهلال في الفلك الحديث

يعد القمر (قمر الأرض) من أقرب الأجرام السماوية إلى الأرض، ومن أصغر الأجرام السماوية الشهيرة قياسا – مثلا – بالشمس والأرض والكواكب السيارة والنجوم على عمومها.

وعلى الرغم من حجمه الصغير وأهميته الكونية (على مستوى الكون) إلا أن هذا الجرم الجميل هو جرم واضح وذو أهمية كبيرة جدا بالنسبة إلى الأرض والإنسان خاصة.

فمن خلال الأهلة (جمع هلال) المتعددة الممتدة على طول الشهر القمري نستطيع أن نعين بداية الشهر القمري وتسلسله الطولي على إمتداد الشهر.

والهلال – مفرد الأهلة – هو جزء من القمر أو قوس مضيء رفيع في السماء… وفي اللغة العربية يقول الفيروز آبادي: «الهلال غة القمر أو ليلتين إلى ثلاث أو إلى سبع، ولليلتين من آخر الشهر، ست وعشرين وسبع وعشرين، في غير ذلك قمر».

والهلال وجه من الأوجه العديدة للقمر، يظهر في أوائل الشهر العربي ويسمى الهلال الجديد new moon وفي أواخر الشهر العربي ويسمى (الهلال القديم). ويمكن رصد الهلال الجديد في الأفق الغربي بعد غياب الشمس، أما الهلال القديم فيمكن رصده في الأفق الشرقي قبيل شروق الشمس مباشرة.

والقمر في علم الفلك جرم صغير قياسا بالأجرام السماوية الأخرى، وأقربها

إلى الأرض، فيبلغ بعده عنها نحو ۳۸۶،۰۰۰ کیلومتر، وهو جرم عادي جدا، فهو تابع التابع أكبر هو الأرض التي تتبع الشمس، والشمس هي تابعة إلى المجرة . مجرة درب التبانة – وهذه المجرة هي واحدة من ألف مليون مجرة تنتشر في أرجاء الكون.

وللقمر عدة دورانات، فهو يدور حول محوره كما تدور الأرض حول محورها، ويستغرق دورانه حول محوره نحو ۲۷،۳ يوما، وهو الوقت نفسه الذي يستغرقه للدوران حول الكرة الأرضية، ولذلك فالجانب القريب من القمر هو الذي يواجهنا دائما، أما الجانب الآخر البعيد فلم يشاهده أحد حتى صورته الأجهزة الفضائية حديثا. والمقدار الذي نشاهده من القمر والمعروف بالوجه مرتبط بالمقدار المعرض لأشعة الشمس من الجانب القريب..

وقد حظى القمر بدراسات وافية، أكثر من كل الأجرام السماوية، وذلك لقربه من الأرض، وقد رسمت له خرائط تفصيلية عديدة للجانب القريب من الأرض، وفي الستينات من القرن العشرين أرسل إليه عدد من السوابر الفضائية، ووصلت إلى قمة دراسة القمر حين هبط الإنسان على سطحه سنة 1969م وقرأه قراءة مباشرة، وتوافرت للإنسان معلومات كثيرة كشفت الكثير من أسراره وخباياه، وقلبت الكثير من المفاهيم السائدة.

والقمر لا يملك غلافا جوي، ودرجة حرارته تختلف من المنطقة التي تواجه الشمس إلى منطقة الظل، ففي المنطقة الأولى تصل الحرارة إلى ۱۱۰ درجات مئوية نهارا، وتصل منطقة الظل نحو ۱۸۰ درجة مئوية تحت الصفر لي، وسبب الفارق بين الحرارة والبرودة يرجع إلى وصول حرارة الشمس إلى سطح القمر نهارا دون أي حجاب جوي، فتتبدد سريعة في الليل ليصبح في النهاية ليلا باردة جدا. ولأن كتلة القمر صغيرة صارت جاذبيته ضعيفة قياسا بجاذبية الأرض، فهي سدس جاذبية الأرض.

إلى الأرض، فيبلغ بعده عنها نحو ۳۸۶،۰۰۰ کیلومتر، وهو جرم عادي جدا، فهو تابع التابع أكبر هو الأرض التي تتبع الشمس، والشمس هي تابعة إلى المجرة .

مجرة درب التبانة – وهذه المجرة هي واحدة من ألف مليون مجرة تنتشر في أرجاء الكون.

وللقمر عدة دورانات، فهو يدور حول محوره كما تدور الأرض حول محورها، ويستغرق دورانه حول محوره نحو ۲۷،۳ يوما، وهو الوقت نفسه الذي يستغرقه للدوران حول الكرة الأرضية، ولذلك فالجانب القريب من القمر هو الذي يواجهنا دائما، أما الجانب الآخر البعيد فلم يشاهده أحد حتى صورته الأجهزة الفضائية حديثا. والمقدار الذي نشاهده من القمر والمعروف بالوجه مرتبط بالمقدار المعرض لأشعة الشمس من الجانب القريب.

وقد حظى القمر بدراسات وافية، أكثر من كل الأجرام السماوية، وذلك لقربه من الأرض، وقد رسمت له خرائط تفصيلية عديدة للجانب القريب من الأرض، وفي الستينات من القرن العشرين أرسل إليه عدد من السوابر الفضائية، ووصلت إلى قمة دراسة القمر حين هبط الإنسان على سطحه سنة 1969م وقرأه قراءة مباشرة، وتوافرت للإنسان معلومات كثيرة كشفت الكثير من أسراره وخباياه، وقلبت الكثير من المفاهيم السائدة.

والقمر لا يملك غلافا جوي، ودرجة حرارته تختلف من المنطقة التي تواجه الشمس إلى منطقة الظل، ففي المنطقة الأولى تصل الحرارة إلى ۱۱۰ درجات مئوية نهارا، وتصل منطقة الظل نحو ۱۸۰ درجة مئوية تحت الصفر لي”، وسبب الفارق بين الحرارة والبرودة يرجع إلى وصول حرارة الشمس إلى سطح القمر نهارا دون أي حجاب جوي، فتتبدد سريعة في الليل ليصبح في النهاية ليلا باردة جدا. ولأن كتلة القمر صغيرة صارت جاذبيته ضعيفة قياسا بجاذبية الأرض، فهي سدس جاذبية الأرض.

وبذلك لا يستطيع الكائن الحي المشي بسهولة كما يمشي على الأرض، وقد احتاج رواد الفضاء الذين نزلوا على سطحه نوعا خاصا من الأحذية.

وتبعا لذلك فإن سرعة الإفلات من جاذبية القمر في حدود (۵، ۲) کیلو متر في الثانية، وهذا الضعف الجاذبي أدى إلى هروب الغلاف الجوي القمري، وعدم وجود الغلاف الغازي عرض القمر إلى جميع أنواع الإشعاعات والصدمات النيزكية.

والقمر هو في الحقيقة جرم سماوي معتم يستمد نوره من ضوء الشمس، ويتغير الجزء المستضيء من القمر من يوم لآخر في الحجم والشكل، فهو في البداية خط رفيع مستنير، ويزداد حجمه شيئا فشيئا ليصبح كرة تامة الاستدارة، ثم يأخذ بالتناقص ليرجع خطة مستنيرة كما كان في البداية. وهذا ما يعرف بأوجه القمر أو أطواره.

وهناك معلومات وأرقام ومواصفات أخرى لا مجال لذكرها هنا.

ب – القمر والهلال عند الإمام السجاد عليه السلام

القمر مادة فلكية قرآنية كريمة، ورد في القرآن المجيد ۲۷ مرة كما ذكرنا آنفا

أما الهلال فلم يرد في القرآن المجيد مفردا وإنما ورد جمعا أي (أهلة) جمع (هلال).

ومع ورود القمر والأهلة في القرآن الكريم أكد القرآن على التقويم القمري (استخدام القمر لحساب الوقت) کمنظم لعدد من العبادات والمناسبات الشرعية والدينية.

لقد تحدث القرآن الكريم عن القمر والأهلة مادة فلكية علمية لا مادة فلكية تنجيمية كما في أحاديث المنجمين والمشعوذين والحضارات الغابرة، تحدث عن القمر جرما يجري في فلك أو مدار محدد، وليس إله يعبد من دون الله سبحانه وتعالى كما كان يعبد في الحضارات القديمة.

فالقمر في القرآن الكريم هو جرم سماوي مخلوق لله تعالى، متواضع كسائر المخلوقات الموجودة في الكون لا حول ولا قوة له، وهذا ما أكده القرآن الكريم صراحة وفي أكثر من آية، منها قوله سبحانه وتعالی: «ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا القمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كتم إياه تعبدون».

والقمر في القرآن أيضا جرم سماوي يجري، يدور في مدار خاص به كبقية الأجرام السماوية الأخرى، وفي مداره هذا لا يتخلف ولا يخرج عنه ولا يضطرب فيه ولا يتداخل مع المدارات الأخرى، وإنما له استقلاليته ووضعه الخاص لينتفع به سكان الأرض.

قال تعالی: «والشمس تجري لمقر لها ذلك تقدير العزيز العليم * والقمر قناه منازل حتى عاد كالغجون القديم لا الشمس يبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبون» وفي هذه الآية الشريفة وصف القرآن الكريم أطوار القمر أو أوجهه الهلالية المعروفة، من هلال إلى بدر إلى هلال، مشبه الهلال بالعرجون القديم “، وهو وصف رائع، جامع بین الشكل العرجون – ونهاية الشهر القديم – وذاكرة في الوقت نفسه منازل القمر، المعروفة لدى العرب وهي ۲۸ منزلا.

ومثل ما ذكر القرآن الكريم فهم الأئمة الكرام القمر والهلال، فهموا القمر فهما علميا و تحدثوا عنه في مناسبات عديدة، واستندوا إليه في ضبط عدد من المناسبات الشرعية والفرائض والأحكام.

فتحدث الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في ذلك داعية للنظر إلى ما في السماء من أجرام وظواهر کونية، ومنها قمر الأرض، الجرم الأكثر قربا إلى الأرض والأكثر وضوحا والأجمل في سماء الليل الطويلة، وقد رمى من وراء هذا النظر استكشاف ما وراء هذه الأجرام والظواهر السماوية من قوة وقدرة هائلة، خلقتها وجعلتها على هذه الصورة من النظام والجمال.

قال الإمام علي عليه السلام: «فانظروا إلى الشمس والقمر والنبات والشجر»، وقال أيضا: «وقمرها آية ممحوة من ليلها»، وقال كذلك: «والشمس والقمر دائبان في مرضاته».

ویفرد الإمام علي السجاد عليه السلام بين مجموعة الأدعية المكونة للصحيفة السجادية دعاء خاصا بالهلال تحت عنوان: «دعاؤه إذا نظر إلى الهلال» إضافة إلى ما ورد من متفرقات هنا وهنا في أدعيته الأخرى تشير أو تلمح إلى القمر أو الهلال.

ففي هذا الدعاء (دعاء الهلال) يذكر مصطلح الهلال بالنص دون أن يذكر القمر صراحة: «وأن يجعلك هلال بركة.. هلال أمن.. هلال سعد..» ومعلوم أن الهلال هو بعض القمر أو جزء من القمر، وقد يطلق الهلال على القمر إطلاق الجزء والمقصود به الكل.

وقد ورد في هذا الدعاء عدد من المصطلحات الفلكية والمواد العلمية المتعلقة بالفلك كعبارة: الدائب والسريع ومنازل وفلك والزيادة والنقصان والطلوع والأفول والإنارة والكسوف وشهر وهلال ويمحقها وسعد و نحس وأخرى غيرها.

وورد عدد من المعلومات العلمية الصحيحة البعيدة عن المعلومات الرخيصة وخرافات المنجمین، فالإمام السجاد عليه يخاطب في هذا الدعاء مخلوقا طبيعيا فلكيا من مخلوقات الله سبحانه وتعالى الكثيرة التي تدل على عظمة خالقها ومبدعها المطيعة له والمنقادة لأوامره.

فيصف الهلال بالمخلوق المطيع لخالقه سبحانه وتعالى، فيقول الإمام الشي: «أيها الخلق المطيع».

ثم يصف هذا الهلال المطيع باستمراره وسيره وحركته ودورانه السريع في فلکه بقوله: «الدائب السريع».

ثم يذكر الإمام السجاد التي تنقل الهلال في المنازل القمرية التي قدرها الله سبحانه وتعالى في سماء الكون بقوله: «المتردد في منازل التقدير»، أي (منازل القمر). ومنازل القمر مواد فلكية مشهورة في علم الفلك، وهي مواقع قمرية يومية معروفة منذ القدم يجري القمر فيها على وفق حساب دقیق، فيجري خلال دورته الشهرية حول الكرة الأرضية ضمن خط محدد لا يحيد عنه قاطعة كل ليلة 13 درجة قوسية، نازلا في كل ليلة منطقة محددة بالنسبة إلى النجوم السماوية، تعرف بالمنزل، وخلال دورته الشهرية يمر أو ينزل في ۲۸ منز، وكل منزلين وثلث المنزل يساوي برجا واحدا، و مجموعها اثنا عشر برجا وهي الخط الذي تجري فيه الشمس والمعروف بمصطلح (فلك البروج) .

ذكر القرآن الكريم المنازل القمرية بقوله تعالى: «والقمر قدناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم».

والمنازل تقع ضمن فلك البروج الاثني عشر الذي يجري فيه القمر ضمن، وقد لمح الإمام السجاد علي إلى هذا الفلك بقوله: «المتصرف في فلك التدبير».

ثم يصف الإمام السجادعليه السلام القمر من خلال الزيادة والنقصان مشيرة إلى ظهوره هلالا نحيط ثم يزداد تدريجيا ليصبح كرة ضوئية كاملة (بدرا)، ثم يأخذ بالنقصان مرة أخرى ليرجع صغير نحيلا كما بدأ. قال الإمام عليه: «وامتهنك بالزيادة والنقصان»، أي استعملك واستخدمك وجعلك تزداد وتنقص باستمرار.

ثم يصف القمر أو الهلال بالطلوع والأفول بقوله عليه: «والطلوع والأفول» وهما مصطلحان فلكيان يستخدمان إلى الآن فيطلع الهلال أي يبزغ ويظهر ثم بعد ذلك يأفل ويغيب ويختفي كسائر الأجرام السماوية الدائرة في السماء (في فلك البروج).

ثم يصفه عليه السلام بالإنارة والكسوف، يقول الإمام علية: «والإنارة والكسوف» وإنارة القمر إشعاعه نور پنیر به الأرض والمناطق القريبة منه، وقد التزم الإمام الكلية بمصطلح (الإنارة) ولم يقل الإضاءة، مستخدمة تعبير القرآن العلمي الذي فرق في آياته الكريمة بين نور القمر وضوء الشمس بقوله تعالی: «هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا.. » وتخصيص الشمس بالضوء والقمر بالنور من حيث إن الضوء أخص من النور، قال: (وقمرا منيرا) أي ذا نور.

وفي مقابل الإنارة يذكر الإمام علي (الكسوف) (ویرید به خسوف القمر) وهي ظاهرة علمية فلكية معروفة (وهو ذهاب ضوء القمر بدخول القمر في ظل الكرة الأرضية) .

ذكر الإمام السجاد هذه الظاهرة هنا في سياقها العلمي لا التنجيمي، فالمنجمون يذكرون الخسوف والكسوف تبين في حوادث و کوارث أرضية ما أنزل الله بها من سلطان.

ثم يذكر الإمام السجاد عليه السلام مسألة مهمة من مسائل القمر والهلال وهي علاقة الهلال بالشهر الجديد وببدايته بالذات، حيث ظهوره في أول الشهر القمري يعني ابتداء شهر جدید وأيام جديدة ومسائل أو حوادث جديدة، فما أروع تعبير الإمام السجاد في مخاطبته الهلال بالقول: «جعلك مفتاح شهر حادث لأمر حادث».

وبعد هذه المواصفات العلمية الدقيقة للقمر أو الهلال يخاطب هذا الجرم الجميل مخلوقة طبيعية من مخلوقات الله تعالى الكثيرة بالقول: «في كل ذلك أنت له (أي الله تعالی) مطيع وإلى إرادته سریع»، مؤمنا – أي الإمام – الإيمان الكامل بقدرة الله تعالى وهيمنته على كل مقدرات الطبيعة والكون.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق