مقالات

خُلِقتَ مِن أجلِ هذهِ اللحظةِ

كثيرٌ هيَ العبارات التي تطرقُ أبوابَ سَمعِنا وتَمُرُّ مُروراً عابراً من دُون أن يَكونَ لها أثرٌ يُذكرُ, والقليلُ منها سُرعانَ ما يَتَرددُ له صدىً داخل النفسِ يَجعلُ السامعَ يبحثُ عَمّا ورائِها مِن معانٍ عاليةٍ، وما يمكنُ أن يُتَحَصَلَ مِن تلكَ المعاني مِن ثَمراتٍ على مستوى القولِ أو العَملِ, وإنَّ العَمَلَ على تربيةِ النفسِ واصلاحِها غايةٌ عقلائيةٌ قَبلَ أن تَكونَ شرعيةً، ويزدادُ التأكيدُ على هذهِ الغاية السامية عندما يكونُ المرءُ بمَعْرِضِ بيانِ رسالتهِ للآخرينَ ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا....)).

كثيرٌ هيَ العبارات التي تطرقُ أبوابَ سَمعِنا وتَمُرُّ مُروراً عابراً من دُون أن يَكونَ لها أثرٌ يُذكرُ, والقليلُ منها سُرعانَ ما يَتَرددُ له صدىً داخل النفسِ يَجعلُ السامعَ يبحثُ عَمّا ورائِها مِن معانٍ عاليةٍ، وما يمكنُ أن يُتَحَصَلَ مِن تلكَ المعاني مِن ثَمراتٍ على مستوى القولِ أو العَملِ, وإنَّ العَمَلَ على تربيةِ النفسِ واصلاحِها غايةٌ عقلائيةٌ قَبلَ أن تَكونَ شرعيةً، ويزدادُ التأكيدُ على هذهِ الغاية السامية عندما يكونُ المرءُ بمَعْرِضِ بيانِ رسالتهِ للآخرينَ ((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا)).

فالرسالةُ، هنا هي (الحُسَينُ “عليه السلام”) بكلِّ ما يُمَثِلُه من معانٍ ومضامينَ، المِنبرُ(طريقُ الماشينَ إليه)، والمبلغونَ (كلُّ مَن سارَ على هذا الطريقِ) والمُتَلَقُونَ (كلُّ مَن يرى المسيرةَ المباركةَ).

ولَسائلٍ يسألُ ما علاقة هذه الأركانُ مِن رسالةٍ ومنبرٍ ومُبَلِغٍ ومُتَلَقٍ بما تصَدّرَ من عنوانٍ؟ ومَن المعنيُّ بعبارةِ (خُلِقتَ مِن أجلِ هذهِ اللحظةِ)؟ وماهي َ اللحظةُ التي مِن أجلها خُلِقَ المعنيُّ بها؟

ولِتوضيحِ ذلكَ نُعَرِّجُ على رِياضِهم (صلوات الله عيهم)؛ فعَن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) قالَ: ((إنَّ الله َتباركَ وتعالى أخفى أربعةً  في أربعةٍ, أخفى رضاه في طاعتهِ فلا تَستَصغِرَنَ شيئاً من طاعتهِ فَرُبَّما وافقت رِضاه وأنتَ لاتَعلَم, وأخفى سَخَطَهُ في مَعصِيتِهِ فلا تَستَضغِرَنَّ شيئاً مِن معصِيَتِهِ فرُبَّما وافقَ سَخَطِه وأنتَ لا تَعلِم, وأخفى إجابَتـَهُ في دعوتِه فلا تَستَصغِرَنَّ شيئاً من دعائِه فرُبَّما وافَقَ أجابَتَهُ وأنتَ لا تعلَم, أخفى وليَّه في عبادهِ فلا تَستَسغِرَنَّ عبداً مِن عبيدِ الله فَرُبَّما يكونُ وليَّه وأنتَ لا تعلم)).

وَضّحَ أميرُ المؤمنين (صلوات الله عليه) أنَّ بعضَ اللحظاتِ سواءٌ أكانت (طاعة ٌأو اجتنابُ معصيةٍ أو دُعاءٍ أو توقيرُ خَلقِ) هي لحظاتٌ تنطوي فيها النتائجُ؛ فالأجدرُ بالعاقل فضلاً عن المتدين ألَّا يغفلَ عنها وبالتالي يُحرَمَ ثَمرتُها .

فكُلُّنا مَعنِيٌّ باستغلالِ هذهِ اللَحَظات التي يشّتَدُّ التأكيدُ عليها في هذا السيرِ المبارك؛ لأنّنا بصددِ بيانِ رسالةٍ كما تقدَّم  فنَتَعاملُ مع كلِّ طاعةٍ وكأنَّها هي الطاعة ُالمقصودة ُفي الرِّوايةِ الشريفة ِوالمستبطنةِ للرِّضا الإلهي، وأنّنا خُلِقنا من أجل لحظة هذه الطاعة فنبادرُ إليها بشرطِها وشروطِها، وأن لا نقَيِّمَ طاعةً على وفق منظورِنا الماديّ؛ فلعلَّ الرِّضا الإلهي يَكمُن في إماطةِ أذىً عن الطريقِ، أو رفعِ قمامةٍ وهكذا في بَقِيّة ما ذُكِر في الرواية ِالشريفةِ, فلا استصغارَ لمعصيةٍ ولا لدعوةٍ ولا لعبدٍ من عبيدِ الله تعالى، فلرُبَّما تكون لحظاتُ حَسمٍ تُوجِبُ نَيلِ أو تفويتِ خيرٌ عظيمٌ.

فإذا طَبَّقنا كأفرادٍ هذا البرنامجِ التربويَ في هذهِ المسيرةِ المباركةِ ((وكُونُوا دُعَاةً إِلَى أَنْفُسِكُمْ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ وكُونُوا زَيْناً ولَا تَكُونُوا شَيْناً))([3])، عندها سَيَتركُ كلَّ واحدٍ منّا بصمَتَه وسيرسمُ بريشَتِه جزئيَّةً رائعةً تُشَكّلُ مع بصماتِ الآخرين وجزئياتهم لوحةً الأربعين الخالدةِ، وبالتالي تَصِلُ الرسالةُ الحسينية ُ إلى المتلقين َوتؤتي ثمارَها المباركةِ، إذ سيرى العالمُ ذلك الطُّوفان البشري الهادر مِن كُلِّ حَدَبٍ وصوبٍ منظراً مهيباً يزدادُ ألقاً وجمالاً كلَّما غِيصَ في أعماقه، وقُرِأت تفاصيلُه التي هي عبارة عن لحظاتٍ رأوا فيها أصحابها أنَّهم خُلِقوا من أجلِها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق