مقالات

كيف تكون من أصحاب الإمام المعصوم؟

صحبة الإمام المعصوم لا تتهيأ لكلِّ أحد، ولذلك نرى على امتداد التاريخ أنَّ صحابة الإمام المعصوم المقربين منه أنفارٌ معدودون، وهذا الأمر لا يُختصر على الإمام المعصوم فقط؛ بل هو يكاد أن يكون عامًّا في كلِّ المصلحين من الأنبياء وغيرهم، على أنَّ موضوع مصاحبة المعصوم ليست بالأمر غير المتاح أو الأمر المتعسِّر بحيث يكون مقتصرًا على ثلةٍ بعينها، وإنَّما الأمر متاحٌ للجميع على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم، ولكنَّ الموضوع بحاجةٍ إلى تربيةٍ خاصَّة وإعدادٍ يبدأ من لدن الإنسان نفسه لينتهي بتربية المعصوم بعد أن يبرز الاستعداد النفسي والروحي من لدن الإنسان.

صحبة الإمام المعصوم لا تتهيأ لكلِّ أحد، ولذلك نرى على امتداد التاريخ أنَّ صحابة الإمام المعصوم المقربين منه أنفارٌ معدودون، وهذا الأمر لا يُختصر على الإمام المعصوم فقط؛ بل هو يكاد أن يكون عامًّا في كلِّ المصلحين من الأنبياء وغيرهم، على أنَّ موضوع مصاحبة المعصوم ليست بالأمر غير المتاح أو الأمر المتعسِّر بحيث يكون مقتصرًا على ثلةٍ بعينها، وإنَّما الأمر متاحٌ للجميع على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم، ولكنَّ الموضوع بحاجةٍ إلى تربيةٍ خاصَّة وإعدادٍ يبدأ من لدن الإنسان نفسه لينتهي بتربية المعصوم بعد أن يبرز الاستعداد النفسي والروحي من لدن الإنسان.

ولو أردنا أن نكون من خاصَّة المعصوم فإنَّ هذا الأمر متاح لنا، وما علينا سوى المراجعة الدقيقة لمواقف أصحاب الأئمة (عليهم السلام) المقرَّبين مع تقييم الأئمة لتلك المواقف، وسنعتمد في ذلك على أقوالٍ مقتضبة من سيرة الإمامين الهمامين: أمير المؤمنين علي وابنه الحسين (عليهما السلام) بوصفهما الإمامين اللذين مارسا جهاد السيف ضدَّ أعداء الدِّين، وقد تعرَّضا (عليهما السلام) إلى محنٍ وصعابٍ شتَّى جعلت من الناس متفرِّقين عنهم ما خلا ثلةً مؤمنةً تمسَّكت بهم، ولذلك كان أصحابهما من خير الأصحاب.

لقد ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) أصحابه المقربين ومدحهم بكلماتٍ كثيرة ومنها قوله: ((أَيْنَ إِخْوَانِي الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّريقَ، وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ)).

فأمير المؤمنين (عليه السلام) يتسَّر باكيًا على فراق أصحابه ويُلقبهم بالإخوان، وهي منزلةٍ ما بعدها من منزلة، إذ تكون بمثابة الأخ للمعصوم وبنصِّ المعصوم على ذلك، ولو أردنا أن نعرف كيف وصل هؤلاء إلى هذه المكانة السامية والدرجة الرفيعة، فإنَّنا سنجد ذلك في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي يُبين فيه بصورةٍ غير مباشرة السُّبل التي وصل بها هؤلاء إلى هذا المقام الرفيع، وذلك قوله: ((أَوْهِ عَلَى إِخْوَانِي الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ، أَحْيَوُا السُّنَّةَ، وَأمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوا)).

فإحكام التلاوة، وإقامة الفرض بالتدبُّر، وإحياء السُّنة وإماتة البدعة، وتلبية دعوة الجهاد، والوثوق بالقائد (الإمام المعصوم) واتباعه والتسليم له والانقياد إليه، من أهم السُّبل التي ترقى بالإنسان الى أن يكون صحابيًّا للمعصوم، فلو أنَّنا جعلنا هذه المنافذ نصب أعيننا ووطَّنَّا النفس على المضي فيها وعدم الخروج عليها، فإنَّنا سنكون حتمًا من خيرة الصحابة للأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) .

وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى بعضٍ من صحابته الكرام مثنيًا عليهم ومادحًا لمواقفهم ومتحسِّرًا على فقدهم، ومنهم عمَّار بن ياسر (رضوان الله عليه) الذي تحكي عنه الروايات أنَّه عندما كان يوم صفِّين خرج عمار بن ياسر إلى أمير المؤمنين عليه السلام) قائلًا له:  يا أخا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم) أتأذن لي في القتال؟ فقال له (عليه السلام): مهلًا رحمك الله، فلمَّا كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام، فأجابه بمثله، فأعاده ثالثا فبكى أمير المؤمنين (عليه السلام) فنظر إليه عمار فقال: يا أمير المؤمنين إنَّه اليوم الذي وصف لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم)، فنزل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن بغلته وعانق عمارًا وودعه، ثمَّ قال: يا أبا اليقظان جزاك الله عن الله وعن نبيك خيرًا، فنعم الأخ كنت، ونعم الصاحب كنت، ثمَّ بكى وبكى عمار، ثمَّ برز إلى القتال فقاتل حتى قُتِل (رحمه الله) فأتاه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، إنَّ امرءا لم يدخل عليه مصيبة من قتل عمار فما هو في الإسلام من شيء، ثم صلَّى عليه، ثم قال:

ألا أيها الموت الذي ليس تاركي * أرحني فقد أفنيت كل خليل

أراك بصيرا بالذين أحبهم * كأنك تمضي نحوهم بدليل

وعمَّار وصل إلى هذا المقام السامي إنَّما كان بما يحمل من عقيدةٍ في قلبه وعمله، فقد أُثر عنه أنَّه قال في وصف الحقِّ الذي كان مع أمير المؤمنين (عليه السلام): ((والله لو ضربونا حتَّى بلغونا سعفات هجرٍ لعلمت أنَّنا على الحقِّ، وأنَّهم على الباطل)).

ومن أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضًا مالك الأشتر (رضوان الله عليه)، وقد قال فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) جملة من الكلمات منها: ((كان الأشتر لي كما كنتُ لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)))، وقال عنه أيضًا: وقال ((وليت فيكم مثله اثنان؛ بل ليت فيكم مثله واحد، يرى في عدوّي مثل رأيه))، وقال كذلك: ((ولعمري لقد كان الأشتر أهلاً لذلك، كان شديد البأس جواداً رئيساً حليماً فصيحاً شاعرا، وكان يجمع بين اللين والعنف، فيسطو في موضع السطوة ويرفق في موضع الرفق))، وعندما سمع أمير المؤمنين بشهادة مالك الأشتر (رضوان الله عليه) قال: ((لله درّ مالك، لو كان جبلٌ لكان أعظم أركانه، ولو كان من حجر كان صلدًا، أما والله ليهدَّنَّ موتك عالمًا، فعلى مثلك فلتبكِ البواكي)).

أمَّا الحسين (عليه السلام) فكان له صحابة من خيرة الأصحاب، وقد قال عنهم: ((فإنِّي لا أعلم أصحابًا أوفى ولا خيرًا من أصحابي، ولا أهل بيتٍ أبر ولا أوصل من أهل بيتي)).

وقد وصفهم الأعداء في معركة الطفِّ فقال عمرو بن الحجاج، وهو من قادة جيش يزيد (لعنه الله): ((أتدرون من تقاتلون؟ تقاتلون فرسان المصر، وأهل البصائر، وقومًا مستميتين، لا يبرز إليهم أحدٌ منكم إلَّا قتلوه على قلتهم، والله لو لم ترموهم إلَّا بالحجارة لقتلتموهم))، وقال آخر في وصف شجاعتهم وإقدامهم: ((ثارت علينا عصابة أيديها على مقابض سيوفها، كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يمينا وشمالا، تلقي نفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب بالمال، ولا يحول حائل بينها وبين المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على نفوس العسكر بحذافيرها)).

أمَّا كيف وصل أصحاب الحسين (عليه السلام) إلى هذه المرتبة السامية؟ فجواب ذلك نجده في كلماتهم التي كانت تضجُّ بالإيمان الصادق، واليقين الواعي، والتسليم الكامل لإمامهم، ومن جملة أقوالهم التي كانت تنبئ بذلك ما قاله سعيد بن عبد الله الحنفي (رضي الله عنه): ((لا نخليك حتى يعلم الله أنَّا قد حفظنا غيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيك، والله لو علمت أنِّي أقتل، ثمَّ أُحيا، ثمَّ أُحرق، ثمَّ أُذرَّى، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتَّى ألقى حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنَّما هي قتلة واحدة، ثم الكرامة التي لا انقضاء لها أبدًا))، وقال زهير بن القين (رضي الله عنه): ((والله لوددت أنِّي قتلت، ثمَّ نشرت، ثمَّ قتلت حتَّى أُقتل على هذه ألف مرة، وأنَّ الله يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك))، ثمَّ قال: ((ولو كانت الدنيا باقية وكنا فيها مخلدين لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها)).

والنتيجة، هل يمكننا أن نصل إلى مصافِّ هؤلاء الأنوار من صحابة الأئمة الكرام؟ نعم من الممكن جدًّا أن نكون كذلك، على أن نتَّبع سيرة هؤلاء ونتعرَّف على حقيقة أئمَّتنا، ونسلِّم لهم تسليم الواثق المطمئن، وأن نسعى بجدٍّ إلى إرضاء أئمَّتنا عن طريق الالتزام بالواجبات والامتناع عن المحرَّمات والوقوف عند الشُّبهات، وإذا ما التزمنا بذلك سنجد الطريق معبَّدًا أمامنا لأن نكون مع الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، ولقد ورد ما يؤيِّد ذلك في ختام زيارة عاشوراء: ((اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود ، وثبت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام)). أسأل الله تعالى أن يأخذ بأيدينا جميعًا لأن نكون من خيرة أصحاب الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق