مقالات

النبي هو الذي عيّن ائمة الشيعة

لا يشكُّ باحثٌ درسَ السيرة النبويّة، وعرف التاريخ الإسلامي بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي عيّن الأئمة الاثني عشر، ونصّ عليهم ليكونوا خلفاءه من بعده، وأوصياءه على أُمّتهِ.

لا يشكُّ باحثٌ درسَ السيرة النبويّة، وعرف التاريخ الإسلامي بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي عيّن الأئمة الاثني عشر، ونصّ عليهم ليكونوا خلفاءه من بعده، وأوصياءه على أُمّتهِ. وقد جاء ذكر عددهم في صحاح أهل السنّة، وأنّهم اثنا عشر، وكلّهم من قريش، وقد أخرج ذلك البخاري ومسلم وغيرهما. كما جاء في بعض المصادر السنّية ذكرهم بأسمائهم مُوضحاً (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ أوّلهم علي بن أبي طالب، وبعده ابنه الحسن، ثمّ أخوه الحسين، ثمّ تسعة من ذرية الحسين آخرهم المهدي.

أخرج صاحب ينابيع المودة في كتابه قال: قدم يهوديٌّ يقال له: “الأعتل” فقال: يا محمّد، أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين، فإن أجبتني عنها أسلمتُ على يديك. قال: “سل يا أبا عمارة”، فسأله عن أشياء إلى أن قال: صدقت، ثمّ قال: فأخبرني عن وصيّك من هو؟ فما من نبي إلاّ وله وصيٌّ، وإنّ نبينا موسى بن عمران أوصى إلى يوشع بن نون.

فقال: “إنّ وصيّي علي بن أبي طالب، وبعده سبطاي الحسن والحسين، تتلوه تسعة أئمّة من صلب الحسين”.

قال: يا محمّد فسمّهم لي.

قال: إذا مضى الحسين فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر، فإذا مضى جعفر فابنه موسى، فإذا مضى موسى فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه محمّد، فإذا مضى محمّد فابنه علي، فإذا مضى علي فابنه الحسن، فإذا مضى الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي، فهؤلاء اثنا عشر”، قال: فأسلم اليهودي وحمد الله على الهداية.

ولو أردنا تصفّح كتب الشيعة وما فيها من الحقائق بخصوص هذا الموضوع لوجدنا أضعاف ذلك.

ولكن يكفينا دليلا أنّ علماء “أهل السنّة والجماعة” يعترفون بعدد الأئمة الاثني عشرة، ولا وجود لهؤلاء الأئمّة غير علي وبنيه الطّاهرين.

وممّا يزيدنا يقيناً أنّ الأئمة الاثني عشر من أهل البيت، لم يتتلمذوا على أيّ واحد من علماء الأُمّة، فلم يروِ لنا أصحاب التواريخ ولا المحدّثون وأصحاب السير، بأنّ أحد الأئمّة من أهل البيت تلقّى علمه من بعض الصحابة أو التابعين، كما هو الحال بالنّسبة لكلّ علماء الأُمّة وأئمّتهم.

فأبو حنيفة تتلمذ على جعفر الصادق، ومالك تتلمذ على أبي حنيفة، والشافعي تلقّى عن مالك وأخذ عنه، وهكذا أحمد.

أمّا أئمّة أهل البيت فعلمهم موهوب من الله سبحانه وتعالى، يتوارثونه أباً عن جدّ، فهم الذين خصّهم الله بقوله﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ….

وقد عبّر الإمام جعفر الصادق عن هذه الحقيقة مرّةً بقوله: “عجباً للنّاس يقولون بأنّهم أخذوا علمهم كلّه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فعملوا به واهتدوا! ويروون أنّا أهل البيت لم نأخذ علمه ولم نهتد به ونحن أهله وذريته، في منازلنا أُنزل الوحيُ، ومن عندنا خرج العلم إلى الناس، أفتراهم علموا واهتدوا وجهلنا وضللنا؟!”.

نعم، كيف لا يتعجّب الإمام الصادق من أُولئك الذين يدّعون أنّهم أخذوا العلم من رسول الله، وهم يعادون أهل بيته، وبابَ علمه الذي منه يؤتَى! وكيف لا يتعجّبْ من انتحالهم اسم “أهل السنّة” وهم يُخالفون هذه السنّة؟!

وإذا كان الشيعة ـ كما يشهدُ التاريخ ـ قد اختصّوا بعليّ، فناصروه ووقفوا ضدّ عدوّه، وحاربوا حربه، وسالموا سلمه، وأخذوا كلّ علومهم منه، فأهل السنّة والجماعة لم يتشيّعوا له ولم ينصروه، بل حاربوه وأرادوا القضاء عليه، وقد تتبّعوا أولاده من بعده قتلا وسجناً وتشريداً، وخالفوه في أكثر الأحكام باتّباعهم أدعياء العلم الذين اختلفوا بآرائهم واجتهاداتهم في أحكام الله، فبدّلوها حسب أهوائهم وما اقتضته مصالحهم.

وكيف لا نعجب نحن اليوم من الذين يدّعون اتّباع السنّة النبويّة، ويشهدون على أنفسهم أنّهم تركوا سنّة النبيّ لأنّها أصبحت شعاراً للشّيعة، أليس ذلك عجيباً؟!

كيف لا نعجب من الذين يزعمون بأنّهم “أهل السنّة والجماعة” وهم جماعات متعدّدة مالكية وحنفية وشافعية وحنبلية، يُخالفون بعضهم في الأحكام الفقهيّة، ويدّعون بأنّ ذلك الاختلاف هو رحمة لهم، فيصبح بذلك دين الله أهواء وآراء وما تشتهيه أنفسهم.

نعم، إنّهم جماعاتٌ متعدّدة تفرّقوا في أحكام الله ورسوله، ولكنّهم اجتمعوا واتّفقوا على تصحيح خلافة السقيفة الجائرة، وترك وإبعاد العترة الطاهرة.

كيف لا نعجب من هولاء الذين يتبجّحون بأنّهم “أهل السنّة” وقد تركوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بالثّقلين كتاب الله والعترة، رغم إخراجهم هذا الحديث وتصحيحه؟! فإنّهم لم يتمسكوا لا بالقرآن ولا بالعترة; لأنّهم بتركهم للعترة الطاهرة فقد تركوا القرآن، لأنّ الحديث الشريف مفاده أنّ القرآن والعترة لا يفترقان أبداً، كما أخبر بذلك رسول الله بقوله: “وقد أنبأني اللّطيف الخبير بأنّهما (القرآن والعترة) لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض “.

وكيف لا نعجبُ من قوم يدّعون أنّهم “أهل السنّة” وهم يخالفون ما ثبت في صحاحهم من فعل النبيّ وأوامره ونواهيه؟

أمّا إذا اعتقدنا وصحّحنا حديث: “تركت فيكم كتاب الله وسنّتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً” كما يحلو لبعض “أهل السنّة” أن يثبتوه اليوم، فإنّ العجب سيكونُ أكبر والفضيحة أظهر; إذ إنّ كُبراءهم وأئمّتهم هم الذين أحرقوا السنّة التي تركها رسول الله فيهم، ومنعوا من نقلها وتدوينها، كما عرفنا ذلك فيما تقدم من أبحاث سابقة.

وقد قال عمر بن الخطّاب بصريح اللّفظ: “حسبنا كتاب الله يكفينا”. وهو ردّ صريح على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والراد على رسول الله رادٌ على الله كما لا يخفى.

وقول عمر بن الخطّاب هذا خرجته كلّ صحاح “أهل السنّة” بما فيهم البخاري ومسلم، فإذا كان النبيّ قد قال: “تركتُ فيكم كتاب الله وسنّتي” فعمر قال له: حسبنا كتاب الله ولا حاجة لنا بسنّتك، وإذا كان عمر قد قال بمحضر النبيّ: حسبنا كتاب الله، فإنّ أبا بكر أكّد على تنفيذ رأي صاحبه فقال عندما أصبح خليفة: “لا تحدّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه”.

كيف لا نعجب من قوم تركوا سنّة نبيّهم ونبذوها وراء ظهورهم، وأحلّوا محلّها بدعاً ابتدعوها ما أنزل الله بها من سلطان، ثمّ يُسمّون أنفسهم وأتباعهم “أهل السنّة والجماعة”؟!

ولكنّ العجب يزول عندما نعرف بأنّ أبا بكر وعمر وعثمان ما كانوا يعرفون هذه التسمية أبداً، فهذا أبو بكر يقول: “لئن أخذتموني بسنّة نبيكم (صلى الله عليه وسلم) لا أطيقها”.

كيف لا يطيق أبو بكر سنّة النبيّ؟ فهل كانت سنّته (صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً مستحيلا حتى لا يطيقها أبو بكر؟

وكيف يدّعي “أهل السنّة” أنّهم متمسّكون بها إذا كان إمامهم الأول ومؤسس مذاهبهم لا يُطيقها؟!

ألم يقل الله سبحانه في حقّها: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ … ﴾؟ وقال في حقّها أيضاً : ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا … ﴾، وقال أيضاً : ﴿ … وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ … ﴾.

فهل يرى أبو بكر وصاحبه عمر أنَّ رسول الله ابتدع ديناً غير الذي أنزل الله، فأمر المسلمين بما لا يُطاق وكلّفهم عُسراً؟

حاشاه فقد كان كثيراً ما يقول: “بشّروا ولا تُنفّروا، يسّروا ولا تُعسّروا”، “لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإنّ قوماً شدّدوا على أنفسهم فشدد اللّه عليهم”.

ولكنّ اعتراف أبي بكر بأنّه لا يُطيق سنّة النبيّ يؤكّد ما ذهبنا إليه من أنّه أحدثَ بدعةً يطيقها حسب هواه، وتتماشى وسياسة الدّولة التي ترأسها.

ولعلّ عمر بن الخطّاب كان يرى هو الآخر بأنّ أحكام القرآن والسنّة لا تُطاق، فعمد إلى ترك الصلاة إذا أجنب ولم يجد الماء، وأفتى بذلك أيّام خلافته، وقد عرف ذلك الخاصّ والعامّ، وأخرج ذلك عنه كلّ المحدّثين!!

وبما أنّ عمر كان مولعاً بكثرة الجماع، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى : ﴿ … عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ … ﴾، لأنّه لم يصبر على الجماع وقت الصيام، وبما أنّ الماء كان قليلا رأى عمر أنّه من الأسهل أن يترك الصلاة ويرتاح إلى أن يتوفّر لديه الماء الكافي للغسل، عند ذلك يعود إلى الصلاة.

أمّا عثمان فقد خالف السنّة النبويّة ـ كما هو معروف ـ حتّى أخرجتْ عائشة قميص النبيّ وقالت: لقد أبلى عثمان سنّة النبيّ قبل أن يبلى قميصه، وحتّى عابه الصحابة بأنّه خالف سنّة النبيّ وسنّة الشيخين، وقتلوه من أجل ذلك.

أمّا معاوية فحدّث ولا حرج، فإنّه عاند القرآن والسنّة وتحدّاهما، فبينما يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): “علي منّي وأنا من علي” “من سبّ علياً فقد سبّني ومن سبّني فقد سبّ الله” نجد معاوية قد أمعن في سبّه ولعنه، ولم يكتف بذلك حتّى أمر كلّ ولاته وعمّاله أن يسبّوه ويلعنوه، ومن امتنع منهم عزله وقتله.

وإذا عرفنا بأنّ معاوية هو الذي سمّى نفسه وأتباعه بـ “أهل السنّة والجماعة” في مقابل تسمية الشيعة بأتباع الحقّ.

وينقل بعض المؤرّخين بأنّ العام الذي استولى فيه معاوية على الخلافة الإسلامية بعد صلح الحسن بن علي، قد سُمّيَ ذلك العام بعام الجماعة.

ويزول العجب عندما نفهَمُ بأن كلمة “السنّة” لا يقصد بها معاوية وجماعته إلاّ لعن علي بن أبي طالب من فوق المنابر الإسلامية في أيام الجمعة والأعياد.

وإذا كانتْ “السنّة والجماعة” من ابتكار معاوية بن أبي سفيان، فنسأله سبحانه أن يُميتَنا على بدعة الرفض التي أسسها علي بن أبي طالب وأهل البيت (عليهم السلام)!!

ولا تستَغرب أيّها القارئ العزيز أن يُصبحَ أهل البدعة والضلالة هم “أهل السنّة والجماعة”، ويصبح الأئمّة الطاهرون من أهل البيت هم أهل البدعة.

فها هو العلاّمة ابن خلدون من مشاهير علماء “أهل السنّة والجماعة” يقولها بكلّ وقاحة، بعد أن عدّد مذاهب الجمهور قال: “وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها، وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح”.

ألم أقل لك أيّها القارئ من البداية: “لو عكستَ لأصبتَ” فإذا كان الفسّاق من بني أُميّة هم “أهل السنّة” وأهل البيت هم أهل البدعة ـ كما يقول ابن خلدون ـ فعلى الإسلام السلام، وعلى الدّنيا العفا!!

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق