مقالات

القسم الثاني: التوكل؛ كلمة صغيرة لكنها عالم كبير وموسوعة علمية مترامية

من الكلمات والمعاني التي جاء التأكيد عليها في القران الكريم ، والإشارة الى أهميتها وعظمتها ، والتي طالما نلهج بها ونرددها على ألسنتنا دون التوجه والالتفاف الى مغزاها ومعناها العميق وآثارها النفسية والاجتماعية .. من هذه الكلمات والمعاني كلمـة " التوكل " ، التي يراد بها التوكل على الله ـ تعالى ـ الذي هو مفتاح كل باب موصد ، وسلم الانسان الذي يعرج به نحو عالم المدنية والرقي والحضارة النزيهة .

من الكلمات والمعاني التي جاء التأكيد عليها في القران الكريم ، والإشارة الى أهميتها وعظمتها ، والتي طالما نلهج بها ونرددها على ألسنتنا دون التوجه والالتفاف الى مغزاها ومعناها العميق وآثارها النفسية والاجتماعية .. من هذه الكلمات والمعاني كلمـة ” التوكل ” ، التي يراد بها التوكل على الله ـ تعالى ـ الذي هو مفتاح كل باب موصد ، وسلم الانسان الذي يعرج به نحو عالم المدنية والرقي والحضارة النزيهة .

أمير المؤمنين (ع) مثال التوكل

ولعل اقرب وافضل مثال للتوكل يمكن ان نضربه من التاريخ الاسلامي يتمثل في امير المؤمنين (ع) أبان عهد رسول الله (ص) ، فحينما توجه (ص) اليه ( ع) مناديا اياه : يا علي ، كان الجواب اسرع من البرق : لبيك يا رسول الله ، ولا غرابة في ذلك فقد كان علي (ع) خير المتوكلين على الله بعد النبي (ص) ، ثم بعد ذلك امر النبي عليا ان يذهب ويأخذ سورة البراءة من ابي بكر في المدينة المنورة ، فاخذها (ع) وتلاها على مشركي قريش والعرب ، وكانت هذه الواقعة ايام حج بيت الله الحرام .
وعلي (ع) هو انسان لا يختلف في البنية التكوينية عنا ، فهو مثلنا محدود مهما بلغت قوته الجسمية ، ولكن سر قوته وطاقته الهائلة وشجاعته يكمن في ايمانه بالله ـ تعالى ـ ، وتوجهه واعتماده واتكاله عليه ، وقد وصل حوله وقوته بحول الله وقوته . وهناك موقف اخر له (ع) سبق الموقف السابق الا وهو المبيت على الفراش الذي لايمكن ان ينكـره منكر ، فقد خاطب حبيبه رسول الله (ص) : او تسلمن بمبيتي هناك يا نبي الله ؟
قال : نعم .
فتبسم علي (ع) ضاحكا ، واهوى الى الارض ساجدا ، شكرا لما انبأه به رسول الله (ص) من سلامته.
فتوكل بذلك على الله متحديا سيوف قريش التي ارادت الكيد والغدر برسول الله (ص) ، وليس هذا الموقف عجيبا من ابن ابي طالب الذي انصهر بكل كيانه و وجوده ، وذاب في الذات الالهية .
من كل ذلك يتضح لنا ان الانسان بمقدوره ان يسلم امره لله ـ تعالى ـ اذا ادرك ووعى كيف يرتبط ويندمج بقدرة الله ـ عز وجل ـ ومثل ذينك الموقفين لعلي (ع) هما من جملة الاف الامثلة التي عاشها في كل لحظات حياته ، ولا يمكننا تفسيرهما الا بالتوكل على الله ـ تعالى ـ ، وهما قمة هذا التوكل ، واعلى درجاته .

التوكل يفتح الافاق الخيرة

وعندما يتكل الانسان على الله ، ويجعل كل ثقته به ، لابد ان تنفتح امامه الافاق الخيرة ، لينطلق في رحاب الحياة بتفاؤل ونشاط وحركة مثابرة ، ولابد ايضا ان تتفتح مواهبه العقلية ، وافاقه الفكرية ، ويتمتع بالرؤية السليمة في الحياة . والسياق القراني في سورة يونس يعكس حال مجموعة مستضعفة من بني اسرائيل استضعفهم واذلهم فرعون الطاغي بملكه وامواله ورجاله واتباعه من السحرة في البلاط ، لا لجرم سوى ايمانهم بموسى (ع) ، فيقول السياق طارحا جانبا من حالهم :
﴿ فَمَا آمَنَ لِمُوسَىٰ إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَىٰ خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ ﴾.
فالذين آمنوا لموسى هم بعض قومه والفئة القليلة منهم وقد وصفهم السياق القراني بأنهم ” ذرية من قومه ” ، فلم يؤمن كل بني اسرائيل ، وهذه القلة التي آمنت كان ايمانها ممزوجا بالخوف من فرعون وسطوته ، والخشية من ساداتهم وكبرائهم ، وزعماء قبائلهم الذين يشير اليهم السياق بـ ( الملأ ) .
وقد كان خوفهم هذا نابعا من تهدد مصالحهم المرتبطة بالطاغية وحاشيته ، اضافة الى جبروت فرعون وظلمه وجوره الذي تشير اليه الاية بقوله ـ تعالى ـ : ” وان فرعون لعال في الارض ، وانه لمن المسرفين ” ، فهذا الطاغية كاد يستولي على كل شيء فضلا عن القوة والمال والغنى , وهنا يأتي الامتحان الالهي على لسان موسى (ع) اذ يقول لهم : ﴿ وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ﴾.
ويتمثل هذا الامتحان في التوكل ، فهو محك الايمان والعقيدة بل وذاتهما المجسدة ، فالانسان انما يثبت ايمانه من خلال توكله على الله ـ تعالى ـ ، والتسليم له ، وحينئذ لايعود يهاب المعضلات والصعاب ، وقوى الكفر ، فليس للانسان ان يدعي الايمان والتسليم ان لم يكن يحمل روح التوكل على الله والثقة به التي تبعث فيه الشجاعة والاقدام ، فكان جواب تلك الثلة المؤمنة القليلة ان قالت :
﴿ فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾.
فهذه الكلمة ـ كلمة التوكل ـ التي هي اثقل ما في ميزان الجزاء يوم القيامة عندما اذعنت لها قلوب مؤمنة صادقة عندئذ تهاوت صخور المعضلات ، وذابت الصعاب ، وهانت المشكلات ، ومن ثم تهاوت الاصنام والقوة الاستبدادية الجائرة ، هذه الكلمة اقر بها المؤمنون من قوم موسى فكانت بداية السقوط الفرعوني ، واندثار عهد الجور والطغيان ، لان عقد الخوف والاوهام زالت من عقولهم ، ولم يعودوا يتشاءمون من الايام والساعات والاشهر حيث غدت كلها جهادا ونشاطا وعملا دؤوبا لمقارعة الجور والظلم والاستعباد ، لقد توكلوا على الله ـ تعالى ـ ، واتجهوا اليه بالدعاء يستلهمون منه القوة والعزم والعناية والتدبير .
وفي هذا السياق الكريم نكتشف علائق تربط بين التوكل والدعاء ، فهما يبدوان في السياق مترابطين متلازمين حيث يبدو الدعاء عمقا للتوكل ؛ اي انك ان اردت وعزمت التوكل على الله فلابد ان تعمر قلبك بالدعاء دائما .

ضرورة اقتران التوكل بالعمل

ثم ينتقل السياق ليطرح جانبا من التخطيط للعمل والحركة في مواجهة فرعون وملئه وطغيانهم ، فيقول ـ تعالى ـ : ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، اي ان التوكل ليس معناه ان تقول توكلت على الله ثم تركن الى زاوية في بيتك ، وفي هذا المجال يروى ان رجلا جاء الى الرسول (ص) ليجلس في مجلسه ، ويستمع الى درره الشريفة ، وكان لديه جمل ، فقال : يا رسول الله اعقلها واتوكل او اطلقها واتوكل ؟
قال : اعقلها و توكل.

الفرق بين التوكل والتواكل

وهنا لابد من الاشارة الى مفارقة في معنى كلمة التوكل ، وكلمة التواكل ، فليست الاولى كالثانية ، فالتوكل هو الفاعلية والحيوية والعطاء ، بينما التواكل يعني التقاعس والخلود الى الراحة والنوم والجلوس في البيت ، ومن هذا التواكل ما يعكسه لنا القران على لسان قوم موسى في قوله : ﴿ قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ﴾، وهذا المنطق مرفوض في الاسلام والقران ، فشتان ما بين المعنيين ؛ التوكل والتواكل ، فقد كان الامر الالهي ان يجعلوا بيوتهم متقابلة ، ويقيموا فيها مجتمعهم الايماني بعيدا عن مجتمع فرعون الوثني :
﴿ … وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .
فالصلاة والتأكيد والمواظبة عليها كل ذلك ينم عن الحيوية والخير والبشرى وتحقق الامال العظام ، وتفتح آفاق العمل والحركة والنشاط ، وعندما اتبعوا هذا النهج ذاعت كلمتهم وانتشرت ، وقويت شوكتهم حتى كانت لهم السيادة في الارض بعد هلاك فرعون وجنوده .
من هنا يجدر بكل من يحمل راية العمل في سبيل الله ان يعتبر من ذلك كله وان لا تثبط عزيمته وسعيه الجهادي تلك التراجعات البسيطة ، والتعثر المحدود في المسيرة ، وان حدث ذلك فيجب ان لا يتحول الى تراجع نفسي خطير امام المشاكل والصعاب ، وفي الوقت ذاته يجب ان لا يصيبنا داء الغرور عندما نجني بعض ثمار النصر لان هذا النصر انما هو من الله ـ تعالى ـ وبقوته لا بقوة انفسنا وحولها .
ومادمنا واثقين به ـ سبحانه ـ ، وسلطانه اللامتناهي فلايجب ان ننهزم نفسيا عندما نمنى بنكسات . بل يجب ان نواصل العمل والجهاد لأننا مؤمنون بالله ومتوكلون عليه ، وهذا هو محك التوكل الحقيقي وهو عدم الانهزام النفسي والروحي .
وعلى هذا يجب ان لا تموت هذه الروح فينا وتغادر انفسنا حتى في احلك الظروف ، واقسى الحالات ، فيجب ان يبقى املنا بالله حيا وان كبلنا بالاغلال ، وقطعنا بسيوف الحقد ، فالذي يتوكـل على الله حقا تذلل امامه كل الصعاب ، ويعيش ويموت شجاعا متحديا اياها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق