معرفة أهل البيت

من هو الأكبر؛ علي بن الحسين السجاد أم علي بن الحسين الشهيد؟

ثمَّة اختلاف بين المؤرخين والعلماء من الفريقين فيمن هو الأكبر سنَّاً من أولاد الإمام الحسين عليه السلام علي الأكبر الشهيد والإمام علي زين العابدين عليهما السلام.

ثمَّة اختلاف بين المؤرخين والعلماء من الفريقين فيمن هو الأكبر سنَّاً منهما إلا انَّ الظاهر هو انَّ أكثر علمائنا المتقدمين يذهبون إلى انَّ الأكبر هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع).

ومن وقفنا على تصريحه بذلك هو الشيخ المفيد في الإرشاد والشيخ الطوسي في الرجال والشيخ الطبرسي في تاج المواليد وفي كتابه إعلام الورى وأبو القاسم الكوفي في الاستغاثة والشيخ الصدوق في الأمالي والقاضي النعمان المغربي في شرح الأخبار، ويَظهر من كلامه انَّ ذلك هو ما يذهب إليه عموم علماء الشيعة حيث أفاد:

«والعامة تزعم انَّ المقتول منهما معه هو الأكبر، وأهل العلم من أوليائهم وشيعتهم وغيرهم من علماء العامة العارفين بالأنساب والتواريخ يقولون: “انَّ المقتول مع الحسين (ع) هو الأصغر وإنَّ الباقي منهما هو الأكبر..”».

وممن صرح بذلك من علمائنا المتأخرين هو العلامة الحلِّي في كتابه المستجاد من الإرشاد وابن حاتم العاملي في الدر النظيم وابن طاووس في ربيع الشيعة كما أفاد ذلك التفريشي في نقد الرجال.

وفي مقابل ذلك ذهب بعض علمائنا إلى انَّ الأكبر سنًا هو علي بن الحسين الذي استُشهد في كربلاء، ومنهم ابن إدريس أفاد ذلك في كتاب السرائر واعتمد في ذلك على مَن عبَّر عنهم بأهل الصناعة من النسَّابين وأصحاب السير والأخبار والتواريخ مثل الزبير بن بكار في كتاب انساب قريش وأبي الفرج الأصفهاني في مقاتل الطالبيين والبلاذري والمزني صاحب كتاب الزواجر والمواعظ وابن قتيبة في المعارف وابن جرير الطبري وابن أبي الأزهر في تاريخه وأبي حنفية الدينوري في الأخبار الطوال وأفاد رحمه الله انَّ صاحب كتاب الفاخر من أصحابنا الأمامية ذهب لذلك أيضًا ومن الامامية أيضاً أبو علي بن همام في كتاب الأنوار وفي تواريخ أهل البيت ومواليدهم، هؤلاء جميعًا أطبقوا على انَّ الأكبر سنَّاً هو المقتول في كربلاء.

وممن ذهب مذهب ابن إدريس من علمائنا محمد بن جرير الطبري في كتابه دلائل الإمامة كما هو المستظهر من عبارته عند ذكر أولاد الإمام الحسين (ع) وكذلك ذهب إليه ابن شهرآشوب في المناقب والشهيد الأول في المزار من كتاب الدروس كما أفاد ذلك الوحيد البهبهاني في كتابه تعليقة على منهج المقال.

وبما ذكرناه يتضح انَّ المشهور بين علمائنا هو انَّ الامام زين العابدين (ع) كان هو الأكبر من علي بن الحسين الشهيد (ع) وعلى خلاف ذلك ما عليه علماء العامة والمؤرخون منهم كما أفاد ذلك ابن إدريس في السرائر، وكما هو الملاحظ من مصنَّفات جمع منهم مثل محمد بن سعد في الطبقات الكبرى ومحمد بن طلحة الشافعي في كتابه مطالب السؤول وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق، والمزني في كتابه تهذيب الكمال والذهبي في سير أعلام النبلاء(19) والبزِّي في كتابه الجوهرة في نسب الإمام علي وآله واليعقوبي في تاريخه والمنتخب من ذيل المذيَّل للطبري والمقريزي في إمتاع الأسماع وغيرهم كثير.

ويُمكن انْ يُنتصر لدعوى انَّ عليًا الشهيد هو الأكبر بأمور:

الأمر الأول: ما روي من انَّ يزيداً وعلى رواية انَّ ابن زياد سأل عليَّ بن الحسين زين العابدين (ع) حينما كان في الأسر: ما أسمك؟ فقال (ع): “علي بن الحسين”، قال: أولم يقتل الله علي بن الحسين قال (ع): “قد كان لي أخ أكبر مني يسمى عليًا فقتلوه…”.روى ذلك ابو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين وابن عبد البر في التمهيد وابن سعد في الطبقات الكبرى وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق.

إلا انَّ هذه الرواية لا تصلح لإثبات دعوى مشهور العامة، وذلك لانَّها وردت في مصادرنا مجرَّدة من توصيف عليٍّ المقتول بالأكبر، فما ورد في كتاب الإرشاد للشيخ المفيد انَّ عليَّ بن الحسين (ع) أجاب ابن زياد: “قد كان لي أخٌ يُسمى عليًا قلته الناس”

وكذلك هو ما ورد في مثير الأحزان لابن نما، وما ورد في إعلام الورى للشيخ الطبرسي وما ورد في الدر النظيم لابن حاتم العاملي واللهوف للسيد ابن طاووس. وعليه فالزيادة المذكورة غير مُحرَزةِ الصدور، فلا تصلح الرواية لاثبات دعوى مشهور العامة.

الأمر الثاني: ما رواه الخزَّار القمي في كفاية الأثر بسنده إلى عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: كنتُ عند الحسين بن علي (ع) إذ دخل عليُّ بن الحسين الأصغر فدعاه الحسين (ع) وضمَّه إليه ضمَّاً وقبَّل ما بين عينيه ثم قال: بأبي أنت ما أطيب ريحك وأحسن خلقك، فيداخلني من ذلك، فقلتُ: بأبي أنت وأمي يا ابن رسول الله إن كان ما نعوذ بالله أنْ نراه فيك فإلى منْ؟ قال (ع): “إلى عليٍّ ابني هذا هو الإمام وأبو الأئمة”، قلت: يا مولاي هو صغير السن، قال (ع): “نعم إنَّ ابنه محمد يؤتم به وهو ابن تسع سنين ثم يطرق قال: ثم يبقر العلم بقرًا…”.

والجواب عن الاستدلال بهذه الرواية هو انها وإنْ كانت صريحة بأنَّ المعنيَّ من علي بن الحسين هو الامام زين العابدين (ع) إلا انَّ توصيفه بالاصغر جاء في كلام الراوي حينما كان في مقام نقل الخبر، وليس في مضمون الرواية ما يظهر منه انَّ الإمام زين العابدين (ع) كان هو الأصغر أو الأكبر، نعم ظاهر الرواية انَّ الإمام زين العابدين (ع) كان في ذلك المحضر الذي يرويه ناقل الحديث صغيرًا إلا انَّ ذلك لا يقتضي ان يكون أصغر من أخيه الشهيد. وعليه فلا دلالة لهذه الرواية على أكثر من انَّ الراوي كان أحد القائلين بأنَّ عليًا الشهيد كان هو الأكبر.

الأمر الثالث: إنَّ السنةَ التي وُلد فيها الإمام زين العابدين (ع) هي سنة الثامن والثلاثين للهجرة أو قبلها بسنةٍ أو سنتين(34) ولم يتجاوز الرواة ذلك ومن المعروف عند المؤرخين انَّ فاطمة بنت الحسين أكبر بناته كانت أصغر من الإمام زين العابدين (ع)، فلو كان الإمام زين العابدين هو أول مَن وُلد للإمام الحسين (ع) لكان معنى ذلك انَّه لم يُعقِّب إلا بعد ان أصبح عمره الشريف اثنين وثلاثين سنة، لو كان مولد الإمام السجاد (ع) في سنة ستٍ وثلاثين للهجرة وأما لو كان مولده في سنة ثمانية وثلاثين للهجرة كما هو المشهور لكان عمر الإمام الحسين (ع) حينئذٍ أربعاً وثلاثين سنة وهو مستبعد جداً بعد ملاحظة ما هو المتعارف من الزواج المبكِّر، والذي يسبق سنَّ العشرين أو لا يتجاوزه، وبذلك يترجَّح البناء على انَّ للإمام الحسين (ع) ولدًا يكبرُ الإمام السجاد (ع) سنّاً ولم يذكر المؤرخون والمحدِّثون سوى عليِّ بن الحسين الشهيد بكربلاء واحتمال انْ يكون قد أنجب ولدًا أو أكثر فماتوا في حياته مستبعد جدًا، إذ ان المؤرخين قد تصدَّوا لتعداد مَن وُلد للإمام الحسين (ع) فذكروا حتى مَن كان قد مات في حياته وهو جعفر ذكروا انَّه مات وهو صغير وإنَّ امه كانت قضاعية.

والجواب عن ذلك انَّه محض استبعاد لا يصمد مع احتمال تأخُّر الإنجاب عند من تزوَّجها الإمام الحسين أولاً أو انَّها كانت عقيماً فتزوج غيرها، كما اتفق ذلك للإمام الرضا (ع) حيث كان عمره الشريف يوم انْ وُلد له الإمام ابو جعفر الجواد قد تجاوز الأربعين ولم يكن قد وُلد له حينذاك، والظاهر انَّه لم يعقِّب غيره كما أفاد ذلك جمع من المؤرخين من علمائنا.

على انَّ من غير المسلَّم انَّ السيدة فاطمة بنت الحسين (ع) كانت أصغر سنَّاً من الإمام زين العابدين (ع) فلعلَّها كانت الأكبر على الإطلاق مِمَّن وُلد للإمام الحسين (ع)، فقد ذكر ابن حجر في كتابه تهذيب التهذيب انها ماتت عن عمر يناهز التسعين. وذكر في كتابه تقريب التهذيب انها قد أسنَّت، وأفاد الذهبي في تاريخ الإسلام انَّ ابن عُيينة قال: انها ماتت في سنة نيف وعشرة ومائة، وقال في كتابه الكاشف انها تُوفيت سنة عشرة بعد المائة أو بعدها. فلو فرضنا انَّها ماتت في سنة أربعة عشر بعد المائة وكان عمرها تسعين سنة فمعنى ذلك انَّها بقيت بعد واقعة كربلاء ثلاثاً وخمسين سنة ومعناه انَّ عمرها يوم كربلاء سبع وثلاثون سنة فتكون قد وُلدت سنة أربعة وعشرين للهجرة فيكون عمر الإمام الحسين (ع) حينذاك عشرين سنة بناءً على ان مولده الشريف كان في الرابع من الهجرة النبوية.

الأمر الرابع: انَّ عليَّ بن الحسين الشهيد (ع) كان يُلقب بالأكبر، ولا وجه لتلقيبه بذلك سوى انه كان يكبر أخاه زين العابدين سنّاً، إذ هما يشتركان في الاسم، ومن المستبعد جدًا ان يُلقَّب عليٌّ الشهيد بالأكبر وهو يصغر في السنِّ أخاه الذي يشترك معه في الاسم.والجواب انه لم يثبت انَّ عليًا الشهيد كان يُلقبَّ بالأكبر وإنما يصفه المؤرخون والعلماء الذين يذهبون إلى انه الأكبر سنًا بالأكبر، فتوصيفهم له بالأكبر لا يزيد دلالةً على انَّ ذلك هو مذهبهم، ولذلك يصفه مَن كان يراه انه الأصغر بالأصغر كالشيخ المفيد في الإرشاد والشيخ الطوسي في الرجال وغيرهما، نعم عُرف عليٌّ الشهيد بعد ذلك بالأكبر في ألسنة الخطباء تبعًا لتوصيف بعض العلماء له في مستهل الزيارة المخصوصة بعليِّ بن الحسين الشهيد.

ولعل المنشأ الآخر لاشتهار عليٍّ الشهيد بالأكبر هو كثرة توصيف المؤرخين له بذلك مما قد يترتَّب عليه التوهُّم بأنَّ ذلك كان لقبًا لعليٍّ الشهيد (ع) والحال انَّ توصيفهم له بالأكبر إنَّما هو لبنائهم على انَّه الأكبر، فيصفونه بذلك تمييزًا له عن عليٍّ زين العابدين (ع). والمتحصَّل ان الوجوه التي ذكرناها انتصاراً لدعوى انَّ علياً الشهيد هو الأكبر لا يصلح شيء منها لإثبات هذه الدعوى.

وأما ما هو المشهور عند علمائنا من ان الأكبر هو الإمام زين العابدين (ع)، فيمكن ان يُنتصر له بروايتين واردتين من طرقنا:

الأولى: رواها الشيخ الطوسي بسندٍ معتبر عن الفضيل بن يسار قال: «قال لي ابو جعفر(ع): لما توجَّه الحسين (ع) إلى العراق دفع إلى أمِّ سلمة زوج النبي (ص) الوصية والكتب وغير ذلك وقال لها: إذا أتاك أكبر ولدي فادفعي إليه ما قد دفعتُه إليك، فلما قُتل الحسين (ع) أتى عليُّ بن الحسين (ع) أمُّ سلمة فدفعت إليه كلَّ شيء أعطاها الحسين (ع)». فهذه الرواية صريحة في انَّ الإمام زين العابدين (ع) كان هو الأكبر وهي من حيث السند معتبرة.

الثانية: رواها الشيخ الصدوق بسندٍ معتبر إلى أبان بن أبي عيَّاش -وقد ضُعِّف- عن سليم بن قيس الهلالي قال سمعت عبد الله بن جعفر الطيار يقول: «كنا عند معاوية والحسن والحسين (ع) وعبد الله بن عباس وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد فذكر حديثًا جرى بينه وبينه وانَّه قال لمعاوية بن أبي سفيان: سمعت رسول الله (ص) يقول: إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم أخي علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا استُشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استُشهد فابنه علي بن الحسين الأكبر أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم ابني محمد … ثم استَشهدتُ الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن أبي سلمة واسامة بن زيد فشهدوا لي عند معاوية، قال سليم بن قيس الهلالي: وقد سمعت ذلك من سلمان وأبي ذر والمقداد وذكروا انهم سمعوا ذلك من رسول الله (ص)».

فهذه الرواية اشتملت على توصيف الإمام زين العابدين بالأكبر وقد روى قريبًا منها ابن شهرآشوب في المناقب. إلا ان ما يرد على هذه الرواية انَّ الشيخ الكليني روى عين هذه الرواية ولكنَّه لم يذكر فيها وصف عليِّ بن الحسين (ع) بالأكبر وإنما أفاد ان الوارد هو “… فإذا استُشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم…” وكذلك ابن بابويه القمي أورد الرواية في كتاب الإمامة والتبصرة ولم تشتمل على وصف عليِّ بن الحسين بالأكبر وكذلك النعماني في كتاب الغيبة(46) أورد الرواية دون وصف الإمام عليِّ بن الحسين بالأكبر. وقد أوردها الطبرسي أيضًا في إعلام الورى دون الوصف المذكور، على انَّ الشيخ الصدوق نفسه أورد الرواية بعين السند في كتابه كمال الدين وتمام النعمة دون وصف الإمام عليِّ بن الحسين (ع) بالأكبر.

فلعلَّ ما اشتملت عليه رواية الخصال من التوصيف بالأكبر كانت من سهو القلم أو كانت تفسيراً من الشيخ الصدوق رحمه الله، واحتمال انَّ الاشتباه أو السقط كان من الشيخ الكليني دون الشيخ الصدوق يبعِّده عدم اختصاص الكليني بذلك، فالطبرسي والنعماني وابن بابويه وكذلك الصدوق في كتابه كمال الدين أوردوا الرواية جميعًا مجرَّدةً من توصيف الإمام عليِّ بن الحسين بالأكبر.

وأما تطابق رواية المناقب مع رواية الخصال من جهة التوصيف بالأكبر فلا ينفي استبعاد الاشتباه عن الصدوق بعد احتمال انَّ ابن شهرآشوب قد نقل الرواية عن خصال الشيخ الصدوق، فهو قد نقلها مرسلةً دون سند. إلا انَّه ورغم ذلك يمكن اعتبار رواية الخصال مضافًا إلى ما ورد في المناقب مؤيدًا لدعوى انَّ الأكبر هو عليُّ بن الحسين زين العابدين (ع) وذلك لانَّ منشأ الاستبعاد المذكور لا ينفي الاحتمال.

والمتحصَّل انَّ ما يحصحُّ التعويل عليه لإثبات انَّ علي بن الحسين السجَّاد (ع) كان هو الأكبر من عليٍّ الشهيد بكربلاء هو ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بسندٍ معتبرٍ عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر الباقر (ع). هذا مضافًا إلى ما عليه مشهور علمائنا المتقدمين والمتأخرين منهم فإنَّ ذلك يصلح مؤيدًا قويًا للدعوى.

المصدر: الكفيل

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق